عباس حسن

532

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

والصفح عن بوادرك . فكم مرة هفوت فأغضيت ، وكم إساءة نالتني فغفرت ، وكم إخوان أبعدتهم عنك فقربتهم منك ، وأرجعتهم إليك . . . فهل تنسى هذا أو تتناساه ؟ » . فكلمة : « كم » وحدها - قبل وضعها في شئ من الكلام السابق ، مبهمة ( أي : لا تدل على حقيقة المعدود وجنسه ، ولا على مقداره وكميته ) ؛ إذ لا يدرى السامع المراد : أهو : كم يوم ، أم كم رجل ، أم كم إساءة . . . أهو كثير أم قليل . . . فلما ذكر الاسم المجرور بعدها أزال عنها الإبهام ، وكشف الغموض عن المعدود ، فبيّن حقيقته وجنسه ، وأوضح كمّيته بما يدل على أنها كثيرة . فكأنه يقول : مرات كثيرة - إساءات كثيرة - إخوان كثيرون . ومثله قول الشاعر : وكم ذنب مولّده دلال * وكم بعد مولده اقتراب فلا بدّ لإزالة الإبهام عنها من تمييز بعدها يوضح جنس المراد منها ، ومقداره . ولا يصح أن يجئ بعد التمييز بدل مقرون بهمزة الاستفهام « 1 » ، والمبدل منه هو : « كم » ، إذ لا دخل للاستفهام هنا مطلقا . وبسبب أن الإخبار بها يرمى إلى كثرة المعدود وجب أن يكون هذا الإخبار عن شئ مضى ؛ لأن الذي مضى قد بان جنسه وكميته ؛ فيمكن الحكم عليها بالكثرة ، والإخبار بهذا الحكم ، أما الذي لم يمض فمجهول الجنس والمقدار غالبا ؛ ومن ثمّ كان الدافع إلى استعمال « كم الخبرية » هو الافتخار والمدح بكثرة شئ محبوب ، أو الذم بكثرة شئ معيب . أحكامها : 1 - وجوب صدارتها في جملتها ، إلا حين تكون مجرورة بحرف جر ، أو بإضافة ، نحو : للّه أنت ! ! فإلى كم عمل نافع سارعت ؛ فحمد الناس إسراعك . وعند كم عقبة في طريقه وقفت لتذليلها ؛ فأكبر العارفون شأنك . 2 - صحة عودة الضمير إليها إما مفردا مذكرا ، مراعاة للفظها ، وإما مطابقا لمعناها ؛ مراعاة لما يحتمله مدلولها . . . « 2 » . والأفصح مراعاة تمييزها ،

--> ( 1 ) انظر « ه » ص 535 . ( 2 ) مثل الضمير غيره مما يحتاج لمطابقة . ويوضح هذا الحكم ما سبق في نظيرتها . ( رقم 3 ص 529 ) .